كنتُ أعدو خلف سرابٍ يتزيّا بملامحِ القدر وأعلّق على كتفيَّ أعوامًا لم تُفصَّل على قياسي كأنني أرتدي حياةً أوسعَ من روحي، فأضيعُ في اتّساعها، وأتوهُ عني.
وأمضي…
أجرُّ ظلي كمن يجرُّ سلاسله في صمت، شيئًا يلتصق بي ولا ينتمي إليّ، يُثقل خطوي، ويُعكّر صفاءي، وأنا أعلم في أعماقي أنني لستُه.
كنتُ أواسي تعبي بتبريرٍ شاق، وأُقنع نفسي بأن الطريقَ الذي استنزفني هو الطريقُ الذي كُتب عليّ.
حتى إذا بلغتُ حافّةَ روحي…
رأيتُ سربًا من الطيورِ المهاجرة، يمضي في السماءِ كمن تخلّى عن كلّ شيءٍ لينجو.
يمضي ولا يلتفت…
يمضي بلا أي حنينٍ يُعطّله، ولا بذاكرةٍ تُعيده إلى ما كان.
إن البقاء ليس فضيلةً حين يُفسدنا، وأن الرحيل ليس خيانةً حين يُنقذنا.
ففكّرتُ بالهجرة…
لا هجرةَ الأمكنة، بل هجرةَ الأثقال، أن أخلع عن روحي ما تراكم عليها من تعلّقات، أن أُعيد ترتيب قلبي بحيثُ لا يسكنه إلا ما يُشبهه.
وكان أوّل ما نازلتُه… التعلّق.
التعلّقُ في بدايته يبدو دفئًا ثم يتحوّل شيئًا فشيئًا إلى يدٍ خفيّة، تُمسك بالروح من عنقها.
تتعلق بروحك.
يجعل الإنسانَ ينسى نفسه، يُطفئ حدسه، ويُقنعه بأن البقاء في الألم، أهون من مواجهة الفراغ.
التعلّقُ يسرق من المرء كل شيء يخصه، ويبقي الفكرة ذاتها، حتى ينسى الانسان من كان هو قبل هذه الفكرة.
وحتى انه يجعلك تقايض كرامتك بفتاتِ حضور.
يُربّيك على الخوف… خوف الفقد، خوف الوحدة، خوف أن تكتشف أنكَ قادرٌ على الحياة دون ما ظَنَّنته ضرورة.
وأسوأ ما في التعلّق أنه يجعل الإنسانَ يختار القيود ويسمّيها حبًا.
التعلّقُ أن تُعطي معنىً لشيءٍ أكثر مما يحتمل، أن تُثقِل فكرةً بسيطةً بكل هذا الشعور، حتى تصبح أثقل منك… وأقدر على قيادتك.
قد يكون التعلّق بشخص قد فارقك، بصورةٍ تريد أن تبقى عليها، أو بماضٍ ترفض أن ينقضي، أو بمستقبلٍ تُصرّ أن يحدث كما رسمته، فإذا اختلّ شيءٌ من ذلك، شعرت كأنك أنت الذي اختلّ.
وأسوأ ما فيه…
أنه لا يجعلك ترى العالم كما هو بل كما تريد أن يبقى.
فتقاوم التغيّر، وتتمسّك بما يتفلّت،وتُسمّي هذا الصراع ولاءً… بينما هو خوفٌ من أن تعود حرًّا.
وكم كافحتُ كثيرًا في هذا الطريق الذي كنتُ معلقًا به،لكنّه في النهاية وببساطة ليس طريقي.
وما أشدَّ ما يتجلّى الحقُّ حين يُقال بصدق، وما أثقلَ ما يسقط من الروح حين تعترفُ بأنها كانت تمشي مُكرهة.
حين يترك الإنسان ما تعلّق به
يحدث أن ينهار شيءٌ في الداخل، ثم ينهض شيءٌ آخر…
يحدث أن تكتشف أن ما ظننته وطنًا كان مجرّد محطةٍ أصررتَ على تحويلها إلى قدر.
وأن ما حسبته حبًّا كان خوفًا من الفراغ.
وأن ما ظننته ثباتًا كان جمودًا يلتهمك ببطء.
وحين تترك ما تعلّقتَ به، تكتشف أن قلبك كان يختنق،
وأنك لم تكن تحيا… بل تؤجّل الحياة.
ثمّ، في لحظةٍ، يهبط السلامُ على روحك كما تهبطُ الطيورُ على ضفافٍ بعيدة، بعد رحلةٍ أنهكت أجنحتها.
ياله من سلام.
تتنفّس، وتشعر أن الهواءَ صار أوسع، وأن خطواتكَ صارت أخف، وأنكَ لأول مرةٍ تمشي في طريقٍ لا يجرحك.
وفي نهاية الرحلة، حين تنظر خلفك دون ألم، تدرك أن كل ما هجرتَه كان جسرًا يعبر بكَ إلى نفسكَ.
وأن كل ما فقدتَه كان مساحةً تُهيّأ لما سيأتي.
وأنك، مثل سرب الطيور المهاجرة، لم تُخلق لتبقى في مكانٍ واحد، بل لتبحث عن سماءٍ أوسع، وغصنٍ يليقُ بطمأنينتك.
وتدرك أخيرًا
أن الطريقَ الذي تركتَه
هو الذي قادك إلى الطريق الذي يليق بك.


أسلوب كتابتك روائي ماشاءالله
I see your point now. It’s about letting go of everything that was weighing you down and learning to enjoy your own inner peace. At first I thought it was a bit complicated, but the deeper I got into it, the more I appreciated it. I really like the way it explores those ideas and how deeply it goes.