سَقَطتِ من سَماءِ ظَنوني سُقوطَ الشَّمسِ في غَياهبِ الغُروب.
وانكَشَفَ لِي أنَّ الحُبَّ كانَ مِرآةً أنظُرُ فيها وَجهِي، لا وَجهَكِ.
كنتُ أراكِ سَناءً يُضيءُ لَيلَ أيامي
فإذا أنوارُكِ لِغيري، وأنا المُستضيءُ بِسرابٍ.
كنتِ الوهمَ الذي يبتسم في عيونٍ لا تُبصر
وما أشدَّ العمى حين يُولد في قلبٍ يرى!
كنتُ أقرأ ملامحكِ كما تُقرأ الكتب المقدسة
أقلب الصفحات بخشوعٍ
أخاف أن أسيء التأويل أو أسيء الفهم
لكن كلّ حرفٍ فيكِ كان يكتب لغيري
وكلّ نظرةٍ كنتُ أظنها تخصّني
كانت تمرّ بي كما تمرّ الريح على وجه صخرةٍ صمّاء.
آهٍ يا أنثى الحضور الغائب
كم خُيّل إليّ أنّك تحبّينني
حتى اكتشفتُ أني كنتُ أنا الذي يُحبّ
وأنتِ كنتِ فقط تُحسنين الأدب.
أحببتكِ كما تُحبّ الأرضُ أول المطر
وكان قلبي كلّما اقترب منكِ، ذاب أكثر
حتى ما عاد في صدري قلبٌ يُحبّ، بل أطلالُ قلبٍ يتذكّر.
يا أنتِ
كيف استطعتِ أن تكوني بهذا الهدوء حين انهار عالمي؟
كيف لم ترتعش يداكِ وأنتِ تترُكينني كأنني لا شيء؟
لم أسمع عذرًا، لم أرَ دمعة
فقط غيابٌ أنيق، كأنكِ تُغلقين باب غرفةٍ لستِ بحاجةٍ إليها.
هل كنتِ تعلمين أنّي أراكِ خلاصًا؟
أنّ كلَّ مساءٍ كان يبدأ باسمكِ وينتهي عليه؟
أنّني كنتُ أقاتل العالم لأجلكِ
وأنا لا أعلم أن المعركة كانت من طرفٍ واحد
وأن العدو لم يكن سوى ظنّي.
لقد كنتِ وهماً متقنًا
حتى إنّي حين أفقتُ
لم أصدّق أني كنتُ وحدي طوال الوقت.
سقطتِ من سماء ظنوني
وانطفأ بكِ النهارُ في صدري
وتهاوت الألوان، وتحوّل كلّ ما كان دفئًا إلى رمادٍ بارد.
واليوم
َبعدَ عامٍ ونِصفٍ من الغياب
كنتُ أظنّ أنني نسيت
لكن الحقيقة أني لم أتعافَ بل جففتُ الجرح كي لا يُرى.
كنتُ أعيش
أضحك
أعمل، لكنّ شيئًا داخلي ظلّ مكسورًا
كزجاج نافذةٍ تعرف أن الريح ستعود يومًا.
لقد كنتُ أراكِ في كلّ شيءٍ
والآن أراكِ في لا شيء.
ما أقسى أن يظلّ فينا شيءٌ من الحنين
حنينٌ لا يطلب الرجوع
بل يطلب فقط أن يُمحى.
كنتِ عالمي
ثم صرتِ ندبةً في الذاكرة
علامةً على خطأٍ لن أكرّره
أدركتُ بعده أنَّ الوَهمَ فيه
كانَ أبرعَ عاشقٍ منّي.
أنا لا أكرهكِ
لكنّي أكره نفسي القديمة التي صدّقت كلّ ما كان.
أكره ذلك البريق في عينيّ حين كنتِ تمرّين فكري
أكره ارتباكي وسذاجة فرحي
أكره أني كنتُ أراكِ نجاةً وأنا أغرق بكِ.
لقد تعبتُ من الذكرى
من محاولات النسيان التي تذكّر أكثر
من الأمل الذي يتحوّل في آخر الليل إلى بكاءٍ صامت.
لكنّي اليوم
أخيرًا
وصلتُ إلى القاع
ولا خوفَ بعد القاع.
سأطوي صفحتكِ كما يُطوى كتابٌ قُرئ حتى التهتك
لن ألعنكِ
فقد كنتِ الدرسَ الذي جعلني لا أكرّر الجهلَ بالحبّ.
ولن أترحّم على ما كان
فليس على الوهم جنازة.
ها أنا أكتبكِ للمرة الأخيرة
أودّعكِ بالكلمات التي كنتِ لا تفهمينها
وأدفن أسمكِ بين السطور
فمن هذا الحرف فصاعدًا لن تكوني لي شيئًا.
إن عاد طيفكِ، سأغلق الباب
إن عاد اسمكِ في الحلم، سأقطع الحلم من جذره
لن أسمح للغياب أن ينهض في صدري بعد الآن.
كنتِ شمسًا سقطت
والشمس إن سقطت، لا تُشرق ثانيةً في القلب نفسه.
قد يضيء العالم
لكنّ قلبي
لن يعرف النور بعدكِ أبدًا.
فقد علمتُ إنَّ في نسيانِكِ نجاةً
وفي ذِكرِكِ موتاً بَطيئاً.
فسلامٌ على ما كانَ وهماً
وسُقيا لقلبي وقد استَفاق.


كتابة بديعة حقًا، غير أن ما يبعث على الأسف والدهشة معًا هو كيف يمكن للإنسان أن يتحول من “كلّ شيء” إلى “لا شيء”. إنّها مفارقة موجعة، حين تنطفئ المحبة التي كانت يومًا نورًا للحياة، فتغدو المسافة بين القرب والغياب لحظة واحدة، لكنها كفيلة بقلب المعنى كله
كتابة آسرة.