منذ الطفولة يتعلم الإنسان حقيقة غريبة دون أن ينتبه إليها، يتعلم أن بعض الأشياء تؤلم وبعضها لا يؤلم.
يمد يده إلى حافة مستديرة فلا يحدث شيء، يمرر أصابعه فوق سطح أملس فلا يحدث شيء ثم يقترب من شيء آخر، من طرف ضيق لا يكاد يُرى، فيعود بجرح صغير يكفي ليغيّر طريقته في النظر إلى الأشياء كلها.
تبدو المسألة في ظاهرها شديدة البساطة، أن الزاوية الحادة تجرح لأنها حادة، على الرغم من بساطة هذا التفسير، فإنه يترك المسألة حيث كانت، فما زلنا نعرف أن الزاوية الحادة تجرح، لكننا لا نعرف لماذا تبدو قادرة على ذلك دون سواها.
الزاوية الحادة إنها في الحقيقة نقص، انسحاب من الاتساع المعتاد للأشياء.
كلما ضاقت الزاوية ازداد هذا النقص وضوحاً، وكلما ازداد النقص أصبحت قدرتها على الجرح أكبر.
لهذا تبدو المسألة مقلقة على نحو غير متوقع.
الإنسان يقضي حياته باحثاً عن الامتلاء، يسعى إلى المعرفة وإلى المال وإلى الحب لأنها إضافة لكنه يتألم غالباً بسبب ما ينقص لا بسبب ما يملك.
أكثر الآلام البشرية لا تصنعها الأشياء الموجودة، بل الفراغات التي تركتها الأشياء بعد اختفائها.
في البداية يبدو هذا مجرد تشابه فكري ثم يبدأ بالتضخم شيئاً فشيئاً.
الجرح نفسه لا ينتج عن حضور المادة بكثافة أكبر، بل عن انكماشها في نقطة أصغر.
والإنسان نفسه لا ينكسر عادة تحت ثقل ما يملكه، بل تحت ضغط ما يفتقده.
هناك علاقة خفية بين الألم والنقص لا يلاحظها أحد لأن الجميع ينظر إلى الألم باعتباره حدثاً صاخباً، بينما يعمل النقص في صمت تام.
لهذا السبب لا تجرحنا القوة دائماً.
كم من إنسان قاسٍ مر في حياتنا ولم يترك أثراً حقيقياً.
وكم من إنسان آخر كان لطيفاً إلى درجة مؤلمة، ثم غاب، فترك جرحاً استمر سنوات.
القسوة المباشرة يمكن رؤيتها والاستعداد لها، أما الغياب فلا يملك شكلاً واضحاً إنه زاوية حادة داخل الزمن نفسه.
حتى الذاكرة تعمل بالطريقة ذاتها.
حيث أن الأحداث الكبيرة تتراجع تدريجياً وتصبح مجرد تواريخ بعيدة، أما التفاصيل الصغيرة الناقصة فتبقى حية بصورة مزعجة.
يبقى موعد لم يكتمل، تبقى جملة توقفت قبل نهايتها.
تبقى أشياء لا قيمة لها ظاهرياً، لكنها تستمر في الوخز لأن العقل لا يحتفظ بما اكتمل، بل بما انقطع.
وعند هذه النقطة يبدأ المعنى الحقيقي للزوايا الحادة بالظهور.
لسنا أمام أشياء تجرح لأنها تملك شيئاً استثنائياً.
نحن أمام أشياء تجرح لأنها تفتقد شيئاً.
الحافة الحادة ليست وفرة في الشكل، بل فقر فيه.
إنها المكان الذي تقلص فيه الاتساع حتى أصبح نقطة تكاد تكون معدومة.
الأمر ذاته يحدث في البشر.
أشد الشخصيات إيلاماً ليست الأكثر امتلاءً أو اكتمالاً.
غالباً تكون الشخصيات التي ينقصها شيء أساسي.
ينقصها الاطمئنان، أو ينقصها الفهم، أو حتى من الممكن أنه ينقصها السلام الداخلي، هذا النقص يتحول إلى أطراف حادة غير مرئية تصيب كل من يقترب منها.
ويحدث الأمر ذاته مع المدن، ومع المؤسسات، ومع العلاقات، ومع الأحلام.
كل ما ينقصه جزء جوهري من بنائه يبدأ بإنتاج الأذى بطريقة أو بأخرى.
لكن الفكرة لا تتوقف هنا، هناك حقيقة أكثر غرابة تختبئ خلف ذلك كله.
الإنسان نفسه عبارة عن زاوية حادة في هذا العالم.
جميع الكائنات الأخرى منسجمة تقريباً مع ما هي عليه.
أما الإنسان فيحمل داخله نقصاً مستمراً.
شعوراً دائماً بأن هناك شيئاً غير مكتمل مهما بلغ من النجاح أو المعرفة أو السعادة.
هذا النقص هو الذي دفعه إلى بناء الحضارات وكتابة الكتب واختراع العلوم والتطور في الصناعة، وهو نفسه الذي جعله أكثر الكائنات قدرة على إيلام نفسه.
الإنسان أحب دائماً أن يعتقد أن الألم يأتي من الخارج.
من السكين، من الزجاج، من الحجارة، من الظروف، من الآخرين.
لكنه نادراً ما لاحظ أن أكثر ما يؤذيه في العالم هو الشيء نفسه الذي يمنحه وعيه وحركته ورغبته في الاستمرار.
ذلك النقص الأصلي.
ذلك الجزء غير المكتمل الذي لا يختفي أبداً.
لهذا تبدو الزاوية الحادة مألوفة على نحو غامض.
نحن لا نتعرف فيها على شكل هندسي فحسب.
نحن نتعرف فيها على شيء نعرفه جيداً دون أن نعترف بذلك.
نتعرف على صورتنا المصغرة، على حقيقة أن الجرح لا يولد من الامتلاء، بل من موضع غاب منه شيء كان ينبغي أن يكون موجوداً.
ومنذ البداية لم تكن المشكلة أن الأشياء الحادة وحدها تجرح.


جميل.