لا تحزني…
إن بلغكِ أنّني لم أعد أستحضركِ كما كنتُ، فالأيامُ تمضي عليّ أخيراً دون أن أستأذن ذاكرتكِ وأنا… أُحِبُّ هذا العبور الهادئ.
في البدء…
كنتِ تحضرين في كلّ تفصيلة، في توافه الأيام في الفواصل بين الجُمل، في الفراغ الذي يسبق النوم وفي الثقل الذي يعقبه.
كنتُ أستعير الزمن لأفكّر بكِ وأُعلِّق حياتي على انتظارٍ لا يملك شجاعة الاكتمال.
كم أُحِبُّ الآن أن أستردّ أيامي، أن أوقِّعها باسمي وحدي، بعد أن طال اغترابها عنّي.
قد تَسْرِقين منِّي يوماً عابراً إن داهمني طيفكِ على غِرّةٍ،
لكنّ الملكَ في الخاتمة لي، دائماً لي.
لا أنكر…أنه كنتِ تتسلّلين أحياناً كذكرى ذات دهاء، تسرقين يوماً أو نصف مساء، أو ارتباكاً عابراً في الصدر.
لكنني لم أعد أُقاتل هذا التسلّل بل أراقبه من مسافة، وأدع الأيام التي لي تعود إليّ في النهاية.
لقد اعتدتُ غيابكِ كما اعتدتُ حضوركِ قديماً، فالمرءُ على قسوته قادرٌ على التكيّف حتى مع الفقد، وكما أن لكلّ شيءٍ فاتحة فللأشياء جميعاً خواتيم، وإن تأخّرت.
لقد تعلّمتُ الغياب أيضاً، تعلمته كما يتعلّم المرء لغةً ثانية حين يطول اغترابه.
ربما لن يخبو حبّي لكِ، لا لأنّه يطالبكِ بشيء، بل لأنني أحببتُكِ يوماً بصدقٍ صار جزءاً من نسيجي.
سأحبكِ كذكرى ثمينة، كأثرٍ مقدّسٍ لا يُدنَّس، لكنّ التعلّق… له نهاية، وقد بلغتُ عتبتها.
حبي لكِ تبدّل في جوهره، لم يعد استعطافاً، ولا انتظاراً، ولا رجاءً مؤجلاً.
صار حبّاً أثرياً، كالمخطوطات القديمة، نُجلّها، نحفظها، نعمل بها، لكننا لا نعيش فيها.
تخلّيتُ عن وهم أنكِ الروحُ التي تُكْمِلُ روحي، واكتشفتُ متأخراً أنّ الروح قادرة على الاكتمال وهي وحدها.
أحبكِ الآن…كذكرى مُطهَّرة من المطالب، كقيمةٍ مرّت ثم استقرّت في مكانها الصحيح.
غير أنّ التعلّق ذلك الوهم العنيد بأنّ روحاً لا تكتمل إلا بأخرى كان لا بدّ له أن يسقط.
وهنا…
بدأت الرحلة الفردية.
لم أُعلِنها، لم أحتفل بها، لم أكتب لها بياناً، بدأت حين تقبّلتُ أن أكون وحدي دون شعور بالنقص، أن أكون كافياً لنفسي، حتى في ضعفي.
الرحلة الفردية ليست بطولة، ولا تعالياً على الحب، بل مصالحة شاقّة مع الذات.
أن تمشي ولا تنتظر يداً تُمسك بك، أن تفرح دون أن تبحث عمّن يشهد، أن تتألّم دون أن تشرح.
اكتشفتُ أن وحدتي ليست فراغاً، بل مساحة.
مساحة أتحرّك فيها بلا تفسير، أعيش فيها تناقضاتي كاملة يومٌ أضحك حتى الامتلاء، يومٌ أنهار حتى الصمت،
يومٌ أعيش بشراهة، ويومٌ أموت مجازاً ثم أعود.
أنا
ومشاعري
وتقلّباتي
وكلّ ما فيّ
ندور…
وكما تدور الأرض لا لتصل بل لتبقى، أدور أنا أيضاً في مداري الخاص، لا أبحث عن أحد، ولا أهرب من أحد، بل أتعلم للمرّة الأولى كيف أكون معي.
وهذا…
كان أعقد أشكال النجاة.


"أدور أنا أيضاً في مداري الخاص، لا أبحث عن أحد، ولا أهرب من أحد، بل أتعلم للمرّة الأولى كيف أكون معي."
في هذا المدار الخاص، لا توجد مطاردة ولا نجاة، بل فهمٌ يتكون
أن أكون معي يعني أن أتحرر من الحاجة إلى التعريف عبر أحد، وأن أختبر الوجود بصفائه الاول
نضع أنفاقًا عبرنا من خلالها، في أدراجٍ صدئت أقفالها، خرجنا منها مثقلين بما لم ننتبه لسقوطه
ومنذ ذلك العبور،
ندور في مدارٍ خاص
لا بحثًا عن أحد، ولا هربًا من أحد،
حين لا يكون الصمت نقصًا، ولا الوحدة فراغًا
بل مساحة صادقة للتعلم والاتزان
—
سطورك الاخيرة مُلفته جدًا
احسنت، احسنت
انا بشكرك من أعماقي من فترة طويلة ما لقيت شي يوصف حالي مثل هذا المقال 🤍