رابع عيدٍ دونكِ…
رابع عيدٍ يمرُّ بي عارياً من حضوركِ، لكنّه على غيرِ ما عهدتُ لا يُثقلُ صدري كما كان بل يمضي خفيفاً كأنَّ الفرحَ يتعلّمُ في داخلي أوّلَ خُطاه.
ما أبعدَ العيدَ الأوّلَ عن هذا المساء.
كان مُرّاً، بلا لونٍ ولا رائحة، ينهشُ روحي، ويُعيدُ عليَّ وجوهَ الغياب.
كان يحملُ بين كفَّيه كلَّ ما تركتِه في صدري من تعب، ويُعيدُه إليّ مضاعفاً.
مُرهقٌ…
أن لا تكوني في مواسمي
أن لا تُقاسميني حلوَ الوقتِ ومرَّه
أن يمرَّ العيدُ…
ولا يمرَّ طيفُكِ معه.
لكنَّ المختلفَ هذا العام…
أنني وللمرّةِ الأولى عرفتُ للعيدِ فرحةً لا تستندُ إليكِ.
ولا تبحثُ عنكِ في الطرقات.
احتفلتُ… ولم أفكّر بكِ.
ونسيتُكِ ولو لبرهة في زحامِ اللحظة.
نسيتُ من كانت تطرقُ بابَ قلبي ليلةَ العيدِ بلا استئذان.
يا لغرابةِ الحب…
يشتعلُ فينا حتى نظنَّهُ قدَرنا ثم ينطفئُ فجأة كأنَّه لم يكن يوماً.
سلامٌ عليكِ أينما كنتِ.
وسلامٌ على حبٍّ صارَ ذكرى تُروى، وصدىً بعيداً لا يوقظُ في القلبِ شيئاً.
فلا تبكِ يا قلبي إن تجاوزتَها يوماً
فكلُّ ما نُحبّهُ مهما عَظُم يصيرُ أثراً يُروى لا حياةً تُعاش.
سيأتي يومٌ…
أتوقّفُ فيه عن عدِّ الأعيادِ التي مرّت دونها
يومٌ يهدأُ فيه هذا القلبُ الذي أضناهُ الفقد.
يا حبَّ الأمسِ واليوم
لا تحزني إن لم تكوني للغد
فالحبُّ لا يُستعادُ إذا اختار الرحيل.
أيا حبّاً كان، يا من أحبَّت القمرَ بكلِّ أطواره، وكانت تعشقُهُ كما لو أن ضوءهُ وطنٌ.
ليتها فقط أحبّتني كما أحبّتَه.
كانت تلك إحدى رغباتي القديمة…
أما اليوم…
فكلُّ ما أبتغيه
أن يحلَّ السلامُ على قلبي.
قلبي الذي نسي معنى الطمأنينة منذ أن غادرتِ.
هذا الحبُّ سينتهي…
وسيذبلُ للأبد
وسأمضي خفيفاً…
كأنني لم أعرف وجعاً يوماً.
وحتى مجيءَ ذلك اليوم
سأظلُّ أكتب…
أكتبُ حتى ينفذَ من صدري آخرُ ما تبقّى من الشعور
حتى لا يبقى في القلبِ إلا صمتٌ يعرفُ طريقه إلى النجاة.
من الصعبِ أحياناً أن نواجهَ واقعاً انتهى بنا هكذا…
واقعاً يشبهُ خسارةً طويلة.
لا أدري
ألم أُحارب بما يكفي؟
أم أن الخسارةَ كانت مكتوبةً لي منذ اللحظةِ الأولى؟
لكنني اليوم
لا أريد أن أُطيل الوقوفَ عند بابٍ أغلقه القدرُ منذ زمن
لا أريد أن أخسرَ أكثر
ولا أن أضعَ فوق روحي حملاً لا تحتمله.
لقد تعبتُ…
تعبتُ من الركضِ خلف ما مضى، ومن محاولةِ جمعِ شتاتٍ لم يعد يشبهني.
وعلى ذِكرِ الشّتاتِ، فقد أفلحتُ على غيرِ عادتي أن أكفَّ عن نبشِ ظلالكِ في أعماقي، وأن أُسكتَ ذلك الصوتَ الذي كان يُناديني إليكِ كلما حاولتُ النجاة.
لا أدري كيف حدث هذا، لكن منذ أن فقدتُ “كاندي”، وأنا أُشيِّعُ في داخلي كلَّ ما يمتُّ للحبِّ بصِلة، كأنّي أدفنُ مواسمي بيدي.
لقد أدركتُ متأخراً أنَّ الحبَّ يأخذُ منّا أكثرَ ممّا يُعطي، وأنّه يُغري القلبَ بالعطاءِ حتى الإفلاس.
هذا القلبُ يا أنتِ ما عرفَ درباً سواكِ.
ولا أَلفَ اسماً غير اسمكِ.
وكان كلما ضلَّ الطريقَ عاد إليكِ كأنكِ جهتهُ الوحيدة.
أمّا الآن، فلن يعود…
لن يعود ليبحث.
فقد تعلّم درسهُ من هذا العشقِ الذي أوجعه حتى النخاع.
تعلّم أنَّ ما نتمسّكُ به عناداً، قد يكونُ أكثرَ الأشياءِ قدرةً على كسرنا.
ومع ذلك… لم يستطع هذا القلبُ أن ينساكِ بعد، ولم يعرف للنومِ سبيلاً هادئاً، ولا ليلةً واحدةً خلت من زحفِكِ إلى أفكاري.
كنتِ تأتين في هيئةِ ذكرى
وفي هيئةِ تفصيل
وفي هيئةِ كلمة…
آهِ من كلماتكِ
كيف كانت تُربّتُ على وجعي ثم تُعمّقهُ دون أن تدري.
ما زلتُ إلى الآن أُحبُّ أن أتحدّثَ بلغتكِ
أن أستعيرَ نبرتكِ
أن أكتبَ وكأنكِ ما زلتِ هنا، تقرئينني.
ربما هذا ما سأُبقيه معي منكِ…
الكلمات.
فأنا لا أُجيدُ فِراقَ الأشياءِ الجميلة ولا أملكُ شجاعةَ التخلّي عن عذوبةِ صوتكِ حين كان ينسابُ كقصيدة.
انظري… كيف عدتُ مُرتبكاً بكِ
متحمّساً كأنّي أبدأكِ من جديد
هكذا دائماً تُربكينني
وتُبعثرينني
وتجعلينني أتعثرُ فيكِ كأولِ مرة.
لقد أضعتُ لياليَّ الطويلة في التفكيرِ بكِ وأحرقتُ فيكِ من عمري ما يكفي لعمرين.
لكنني… رغم ذلك ما زلتُ أتعلّم.
أتعلّم كيف أنساكِ
وكيف أكونُ بدونك… حين لا تكونين.
وربما، قريباً… سأُتقنُ الغياب.


ألم أُحارب بما يكفي؟
أم أن الخسارةَ كانت مكتوبةً لي منذ اللحظةِ الأولى؟
أم أنني كنتُ أقاتل معركةً لا تخصني، وأتمسكُ بنصرٍ لم يُكتب لي يومًا؟
الله عليك يا نايف، دام قلمك، ولا فُضّ فوك، أنت كاتبٌ استوفيتَ معايير الروعة عن بكرة أبيها، وبالمناسبة نصّك يذكرني بالشاعر الذي يهنئ حبيبته بالعيد قائلا:
أهلٌ تعيشين حتى الآنَ بينهمُ
طوبى لهم، لم يغب عن دارهم عيدُ