توقّفتُ عن التفكير بكِ، لا لأنكِ صرتِ أقلّ حضورًا، بل لأن الحياة دفعتني دفعًا إلى الانشغال، وكأنها كانت تغار من مساحة كنتِ تحتلّينها وحدكِ في رأسي.
ومع ذلك، يضايقني هذا التوقّف.
يؤلمني أن أكتشف أنني بدأت أعتاد غيابكِ، وأن اسمكِ لم يعد يمرّ على خاطري بذات العنف القديم، ولا يطرق رأسي كما كان يفعل بلا استئذان.
أنا لا أكرهكِ…
ولا أكره الذكرى، بل أكره فكرة أن يلين وجعي تجاهكِ.
أن تخفّ حدّتكِ في داخلي، أن تصبحي ذكرى قابلة للتعايش، لا جرحًا مفتوحًا كما كنتِ.
لا أريد أن أنساكِ.
أريد فقط أن أتذكّركِ على حقيقتكِ…كشيءٍ كان حيًّا، لا عابرًا، كفصلٍ حقيقيٍّ من حياتي، لا سطرٍ هامشيٍّ فيها.
وجودكِ لم يكن تفصيلًا، كان اختلالًا كاملًا في توازني.
وأعدكِ رغم كل هذا أنني لن أسمح لأحدٍ أن يحلّ محلّكِ.
ليس وفاءً…
بل لأن المكان الذي تركتِه لم يُخلق لغيركِ.
هو فراغ على مقاسكِ، لا يتّسع إلا لغيابكِ أنتِ.
وإن حاولتُ أن أملأه بغيركِ فلن أكون محبًّا، سأكون خائنًا… خائنًا لكِ، ولي، وللشيء الصادق الوحيد الذي حدث بيننا.
مؤخرًا، ازداد فضولي بكِ حين رأيتُ أثر خطواتكِ تعود.
مرّتين في شهرٍ واحدٍ مررتِ على حسابي، وقفتِ هناك، صامتة، تراقبين.
لم تتركي علامة، لكنّ حضوركِ كان كافيًا ليقلب كلّ ما هدأ في داخلي.
هل كنتُ حاضرًا في أفكاركِ حينها؟
وهل حضوري كان شوقًا…
أم مجرّد حنينٍ باردٍ لا يكلّف القلب شيئًا؟
أسأل نفسي كثيرًا…
هل ما زلتِ عالقة بي كما أنا عالق بكِ؟
أم أنني وحدي من تأخّر في الخروج من هذا التعلّق؟
تعلّقي بكِ يبدو مرضيًّا، لكنّي على نحوٍ ما ارتَضِ بهِ.
لكنّه المرض الوحيد الذي لم أرغب يومًا في الشفاء منه، لأن الشفاء منكِ يعني الاعتراف بأنكِ انتهيتِ وأنا لستُ مستعدًا لهذه الخسارة.
أتذكرين عزفكِ لي؟
تلك الليلة التي شاركتِني فيها أناملكِ واستمعتُ إلى عزفكِ بكلّ الحبّ الذي كان يسكنني.
كنتُ أستمع وكأنني أُستعاد من نفسي وكأن العالم لمرّة واحدة…صار محتمَلًا.
ولا أدري كيف مرّ عليّ ضياع تلك الذكرى الحنونة دون أن أجنّ أو أصرخ.
كأن قلبي كان يؤجّل الفاجعة أو كأن الذاكرة تواطأت مع الغياب لتخفّف الصدمة لحينٍ لا أعلم متى ينتهي.
ذلك الصوت لم يكن مجرّد عزف، كان دليلًا على أنّكِ كنتِ هنا، أن لحظةً ما في هذا العالم حملتكِ.
وأنني كنت شاهداً عليكِ.
والآن، حين أبحث عنه، أبحث عنكِ أكثر مما أبحث عن المقطع ذاته، عن تلك النسخة منكِ التي كانت تمنحني العالم دون أن تدري.
يضيق صدري كلما تذكّرت أنّي لم أحتفظ به كما ينبغي، وكأنني فرّطتُ بكِ مرّةً أخرى لكن هذه المرّة بلا عذر ولا حتى وداع.
الآن فقط.
أدرك فداحة ما حدث.
وأتقطّع لأنني لم أحسن حفظكِ كما لم أحسن حفظ تلك الذكرى الصغيرة التي كانت تختصر كلّكِ.
ذلك المقطع لم يكن مجرّد صوت،كانكِ أنتِ، ضحكتكِ، ارتباك أناملكِ، توتّر اللحظة، وصدقها.
كان دليلًا حيًّا على أنّ بيننا شيئًا حدث فعلًا، لا يمكن إنكاره مهما حاول الغياب.
أتذكّر ضحكتكِ جيدًا… تلك الضحكة التي كانت تسبق كلامك، وكيف كنتِ تنادين نفسكِ بلقبكِ كمغنية، وتُلزمينني أن أناديكِ به، كأنكِ كنتِ تتدرّبين على حلمكِ أمامي، وكأنني كنتُ جمهوركِ الأول، الوحيد الذي صدّق الحلم قبل أن يصبح حلمًا حقيقيًا.
كنتُ أحبّ حماسكِ هذا، لا لأنّه كبير بل لأنّه كان صادقًا، لأنكِ كنتِ تشاركينني كل شيء، حتى أكثر الأشياء تفاهة،وتجعلينها بطريقتكِ مهمّة.
كنتُ أحبّكِ ومازلتٌ… لا اختصارًا، ولا مجازًا، بل حقيقةً كاملة التفاصيل.
ِكنتُ أحبّ فيكِ الأشياء التي لا ينتبه لها أحد، نبرة صوتك حين تتعبين، صمتكِ حين لا تعرفين ماذا تقولين، حماسك حين تحلمين، وانكساركِ حين تصطدمين بالحياة.
كنتِ تجعلينني أشعر بالانتماء، لا لمكان، بل لإنسان.
كنتِ تجعلين يومي أقلّ قسوة، مجرد وجودك كان محاولةً صادقة لأن يكون هناك جزءٌ جيّد في هذا العالم، جزء يحاول أن يُضحكني، أن يخفّف عني، أن يجعلني أتحمّل يومًا آخر.
كنتِ تحلمين كثيرًا، وأحلامكِ لم تكن ثابتة، كانت تتغيّر، تكبر، تتبدّل، وفي كل مرّة كنتِ تأتين بحلم جديد، ثم تجلسين لتشتكي من قلّة الدعم، من غياب التفهّم، من عدم وجود تخصّصات، من عالم لا يترك لكِ مساحة لتكوني ما تريدين.
كنتُ أواسيك، رغم أنني لا أعرف المواساة، كنتُ أبحث عن الكلمات كما يبحث الأعمى عن النور، لكنني كنتُ أحاول، لأنكِ كنتِ تستحقّين أن يُحاول أحد من أجلكِ.
وحين غبتِ، تعلّمتُ كيف أواسي نفسي، وهذا بمرارة الشيء الوحيد الذي أفادني به الغياب.
كنتِ تشاركينني الأغاني، كأن الموسيقى كانت لغتكِ البديلة وآخر أغنية أرسلتِها لي، كانت تقول بوضوح لا يحتمل التأويل إنكِ سعيدة معي.
ومنذ ذلك اليوم وأنا أتساءل…
كيف تنتهي السعادة بهذه السهولة؟
والآن…
أخبريني بصدق إن كنتِ قادرة
هل أنتِ سعيدة بدوني؟
أما أنا فلا أعرف السعادة إلا حين أتذكّركِ، وما عدا ذلك، كل شيء باهت، كل شيء ثقيل، كل شيء يشبه الانتظار بلا وعد.
لستُ سعيدًا.
…يسكنني سؤال لا يهدأ
هل كنتِ تقصدين كل ما قلتِه؟
أم كنتِ تقولين الكلمات لأن اللحظة كانت جميلة فقط؟
لماذا حدث هذا البعد؟
لماذا انتهى كل شيء دون تفسير؟
لماذا بقيتُ وحدي مع الذكرى كأنها عقوبة لا أعرف ذنبها؟
أتذكّرك كل يوم… كل ساعة… كل لحظة.
كأنني شيخٌ عجوز، جالسٌ في زاوية زمنه، يحاول أن يوقف النسيان عن سرقة أسماء أولاده وأحفاده، يكرّرها في صمت، يهمس بها، يكتبها على جدران الغرفة كي لا يطويها الليل عن ذاكرته، كي لا يغتالها الزمن، ويقف في وجه العمر الذي يريد أن يسرق منه كل ما بقي من أحبابه.
هكذا أنا معكِ.
أتذكّرك… كل تفصيل، كل نظرة، كل ابتسامة، كل ارتباك في صوتك، كل كلمة لم تقلها ولكن كنتِ تريدين أن تقوليها، كل حلمٍ خطرتِ به في الليل، كل أغنية شاركتني بها، كل لحظة شعرتُ فيها بأنكِ تحاولين أن تصنعي لي يومًا أفضل، أحرسها كما يحرس الشيخ كنوزه من الفقد،
وأعيدها لنفسي مراتٍ لا تُحصى، كي لا تُسرق مني، كي لا يمحوها النسيان، كي لا أجد نفسي وحيدًا مع فراغ قلبٍ لم يعرف كيف ينسى.
أراكِ في كل صورة، في كل صدى، في كل حركة للريح، في كل ضحكة بعيدة، أراكِ حين أفتح عيني في الصباح، حين أستمع لصوت العالم، حين أقرأ أي شيء أو أرى أي لون، فتعود إليكِ كل التفاصيل الصغيرة، وتكبر في داخلي، فتملأ فراغكِ الذي تركته.
وأحيانًا يوجعني هذا، أحيانًا أشعر أني أعيش بين الحنين والألم كأن قلبي لا يريد أن ينكسر، ولكنه يكسر نفسه كل يوم لأني أحببتكِ بصدقٍ لم يُخلق له مكان في هذا العالم.
وكل لحظة بدونكِ هي موت آخر، وكل ذكرى تُنسى منكِ تجعلني أرتجف كأنني أخسر نفسي شيئًا فشيئًا وأعرف أنّني لن أستطيع أن أستعيدها مرة أخرى.
أحتفظ بكل شيء منكِ في داخلي كأنني أرسم خريطةً لا يمكن لأحد أن يرى حدودها، خريطة مليئة بكل المسارات التي مررنا بها، بكل الكلمات التي قلناها أو لم نقلها، بكل حلمٍ شاركتني إياه.
وأنا أكرر كل هذا لنفسي، كل يوم، كي لا أنسى، كي لا يغتال الزمن حبكِ، كي أظلّ على صلةٍ بكِ ولو كانت مجرد ذكرى، كي لا يصبح قلبِي مجرد صندوق فارغ،
كي أظلّ حيًا رغم رحيلكِ.
وإن غادرتِ العالم كله ستظل ذكراكِ صامدة بداخلي، أكبر من كل يوم، أكبر من كل ألم، أكبر من كل ما يمكن أن يسرقه الوقت أو يطمسه النسيان.
أشتاق لكِ بجنون، لا شوق العشّاق العابرين، بل شوق رجلٍ كان مستعدًا أن يبقى، أن يتحمّل، أن يكبر معكِ لكن الشوق لا يعيد الغائب ولا يغيّر ما كُتب،ولا يخفّف هذا الفراغ الذي تركتِه في صدري.
وأنا نادم…
نادم على كلّ لحظةٍ لم أختر فيها الحديث معكِ،
على كلّ دقيقةٍ سلّمتها للعدم في حين كان بإمكاني أن أهبها لكِ، كلامًا، حضورًا، اعترافًا، أو حتى صمتًا مشتركًا.
ما يؤلمني حقًا ليس أنكِ ابتعدتِ…
بل أنني ما زلتُ أقيس أيّام غيابكِ بعدد المرّات التي لم أستطع فيها نسيانكِ، وما زلتُ أعيش وكأن شيئًا منكِ لم يغادرني بعد.
ورغم كلّ هذا الادّعاء بالقوّة، ما زلتُ أرتبك عند فكرة أنّكِ قد تمضين يومكِ دون أن يخطر اسمي لكِ، أن تضحكي، وتنامي، وتنهضي، وكأنني لم أكن ذات يوم تفصيلًا يثقل عليكِ الفرح.
يخيفني أن أكون ذكرى صامتة في حياتكِ، لا تؤلمكِ، ولا تشتاقين لها، مجرد اسمٍ قديم يمرّ في رأسكِ بلا أثر.
ذلك الاحتمال وحده يؤلمني أكثر من الفقد، لأن الفقد أعتراف، أما النسيان… فإلغاء كامل لوجودٍ ظننتُه يومًا حقيقيًا.


لأول مره استمتع في قراءة مقال لهذه الدرجة.
حتى اني قرأته جهرًا بلا وعي،
اهنيك ،ما شاء الله.
ماشاء الله ، النص جدًا جدًا رائع وكمية المشاعر التي شعرت بها عند قرائته لا تُوصف