أحبُّ البحرَ حبًّا لا يَخبو كأنما مولَعٌ به من قِدمٍ سَكنَ عَظْمَ صدري، لذلك حين أمسيتُ اليومَ توجهتُ إليه، لا لِيَرتوي هو من حضوري، بل لأنّكِ قَدْ ولَعتِ بهِ فصارَ لي موطناً لأحاديثِكِ التي أحفظها سرًّا، دخلتُ شاطئَهُ كزائرٍ يُقبلُ ضريحًا، لم أكن أبتغي زرقةً تُنعش، بل غموضًا يُشبهكِ، لألوذ إليه بذاك الشغفِ الذي لا يَسألُ عن سببٍ فالْبحر عندي ككتابٍ مفتوح.
قصصتُ له عنكِ كما يسردُ الواعظُ تائبَهُ سرَّه، لأنَّ البحرَ يُصغِي لكلِّ من يحملُ في صدره شِعرًا مَخبونًا، سردتُ لهُ من أحببتُها، ومن أحبَّبَتهُ، وتناوبتُ عليهِ فصولَنا كأنني أُعيدُ ترتيبَ حكايةٍ سُلِبت من زمانها وأُعيدَت إلى محرابِها.
حكيتُ له كيف أن العشقَ ابتدأ خَفِيًّا ثمّ صارَ جارفا.
البحرُ، بطبعهِ اللا مُتكلِّم، لم يواسِني بكلمةٍ ولم يُقصِر لكنّ صَمتهُ كان يزنُ أضعافَ الكلامِ، جاءني صفيرُ الموجِ كإشهارِ عزاءِ لا حاجةَ فيهِ إلى شهودٍ، فانسلّ إلى فُؤادي سكونٌ رقيقٌ كمن يضمُّ جرحَه إلى صدره دون بكاءٍ علني.
تقدّمتُ حتى ملاقتِ الماءِ، وضعتُ رجلي على رَملٍ باردٍ فاهتزّ تحتَ كَعبي كأنما الأرضُ تُعانقُ قلبي فأشعرُ بأنثى من الأرضِ، تنفّستُ فاجتاحني سُكونٌ مُربَّق، شفافٌ كزجاجِ محرابٍ لا أثرَ لغبارٍ عليه، سكونٌ يَقصّ على النفسِ حُلَّةَ توبةٍ قديمةٍ ويُعيد إليها اتّزانًا نُدِرَ أن يُستعاد.
أغمضتُ عينيّ وفي الغيابِ المطلقِ رأيتُكِ، لا كمشهدٍ عابرٍ بل كحضورٍ يُعيدُ تشكيلَ الهواءِ باسمكِ، عجبًا، لا تبرحينَ لي حتى في لحظاتِ السلام، ربما لأنّكِ سلامي.
وهنا، في زُوايا الذكرى، أطلُّ قيسٌ ذاك المقرونُ بالجنونِ لعشقِ ليلى ليس كمحورٍ أصيلٍ لكن كنقطةٍ مرآويةٍ تُضخِّمُ هَوَسِي.
قيسُ لم يَكنْ فقطِ مهووسًا بفتاةٍ، كانْ رمزًا لمن توجّهت نفوسهم إلى الاستغراقِ في اسمٍ واحدٍ فأضحوا به شهودًا ومُشاهدين في آنٍ واحد، قرأتُ في جنونه الشهادة، ذاك الذي كرَّسَ الذاتَ هَبةً لاسمٍ صارَ لهُ حِجابًا وروحًا ومِحرابًا، وما أكثرَ ما ضمنتُهُ من قيس في ذاتي ههنا هوسٌ لا يَترفّع عن أن يكونَ تضحيةً، وهناك جنونٌ لا يُدركُهُ العقلُ إلاّ حين ينقطعُ عن كلِّ الأسباب.
إن قيسًا قد عشقَ ليلى حتى تَحَوّلَ هو إلى قصيدةٍ تُتلى على لِسانِ الريح وأنا أعترفُ أن جنوني لكِ أقربُ إلى تلك التضحيةِ الخالدةِ جنونٌ يَسوقني إلى الهَلاكِ والسموّ معًا.
وسببه أنتِ.
ولكن دعْيني أُطيلُ في هذا المَحور قليلًا، قيسُ لم يَرِدْ أن يُباليَ بقدْرِ ما يُسميهُ حبًّا، لأنّ الحُبَّ عندَهُ كانَ قانونَ الكون، هو قانونٌ لا يُخطئُهُ المجانين.
كذلك أنا ولستُ بقيسٍ في كلِّ المسالك أمتطي خلّوفَ البُعدِ كمن يمتطِي صهيلَ فرسٍ في ليلٍ عميقٍ أُحبُّكِ من بعيدٍ حتى ليكونَ العشقُ مقدّسًا لا يُدنسُهُ الاحتواء.
هل يعقلُ أن يُعلّقَ الإنسانُ هكذا؟
نعم، يُعلّقُ ويَبقى معلّقًا كجمرٍ تحتَ الرمادِ ينتظرُ نسمةً تُشعلُهُ أو تُبقيهُ سردًا.
ما زادَ في وجعي أن هذا الوَهَمَ وهو أيضًا نعمةٌ يُبهِتُ كلَّ ألوانِ الممكن، يجعلُ من البُعدِ محرابًا ومن اللقاءِ حكايةً تُروى لمن يأتي بعدنا.
أنا هائمٌ بلا هائمتهِ، مُنقَّطٌ بينَ شهيقٍ وزفير، أعيشُ على قصاصاتِ الطيفِ التي تتركينها خلفَكِ في الهواءِ، وفي فَلَحِ المساءِ حين يمتزجُ مَدُّ الموجِ بتموُّجِ قلبي، أقسمُ أن تكوني سلامي وإن بقيتُ على عهدِ البُعدِ.
خرجتُ من البحرِ وأنا أرتديُ على صدري قبةً من حنينٍ مُصاغةٍ على مِحرابِ البوح، لا أريدُ أن أكونَ قيسًا بصورةٍ كاملةٍ ولا أحتاجُ أن أُبهِر التاريخَ بجنوني، فقط أطلبُ أن أظلَّ عاشقًا محترمًا لذِكرى، أن أعانقَ اسمكِ كما يعانقُ الوليُّ صمتَ مصلاه.
قدري أن أحبكِ من بعيدٍ.
حبٌ بائسٌ ومُبجّلٌ، يُضيءُ في داخلي مصباحًا لا يُطفَأُ وإن طالَ الليلُ، ويجعلُ من قصةِ المساءِ أسطورةً أرويها للبحرِ حين يأتي الزائرُ التالي ليعلمَ أن الحبَّ يمكن أن يكون طقسًا خالدًا لا يُقاسُ بالأقوالِ ولا بالأميالِ.


جمييييييل بجددددد
هل هذه كتابتك
ليش باقي كتاباتك ليست بمثل مستوى هاته ؟