وقد رأتكِ.
كم أنا ممتنّ، وكم أنا مبتلى بهذا الامتنان.
يا لها من صدفةٍ لا تُستدرَك ولا تُستعاد، صدفةٌ لو أعدتُ رسمها في الخيال دهورًا ما جاءت، لكنها جاءت فجأة، بعد سنين طويلةٍ من الجفاف، من دون أن أراكِ.
سألتُ نفسي وأنا أحدّق، أكنتِ هكذا دائمًا؟
بئسًا لذاكرتي… لقد خانتني.
لم أحتفظ بكِ كما أنتِ، بل بصورةٍ قديمةٍ، باهتة،ملامحها مبعثرة، كأن الغياب مرّ عليها وتركها شتاتًا.
بئسًا للذاكرة لا تُبقي لنا إلا الفُتات ثم توهمنا أننا نتذكر.
ولأن النظرة الأولى معفوٌّ عنها، لم أُرمش طويلًا، أردتُ أن أملأ عينيّ بكِ دفعةً واحدة، ثم أستغفر الله بعدها طويلًا…
فحين يكون الأمر متعلّقًا بكِ، أشعر أن عليّ أن أتوب مئة مرةٍ أو يزيد.
في البدء لم أدرك أنها أنتِ، كيف ينسى المرء وجه من أحب؟
خشيتُ أن تكوني شبيهةً لكِ، أن أُطيل النظر في وجهٍ لا يعرف قلبي، لكنني حين أمعنتُ النظر… أدركتُ أن أجمل صدفةٍ في عمري قد وقعت.
لا أحد يعلم كم هو شعورٌ موجعٌ وجميلٌ معًا في آنٍ واحد أن ترى وجه من أحببتَ بعد غيابٍ طال، بعد أن فقدتَ كل شيءٍ عنه، إلا وجعَ الذكرى.
وبالصدفة أن قبلها بأسبوعين فقط، كنتُ أتمتم وحدي بكلمات تقول: “عيوني تشتهي تشوفك”.
والله ما كانت عيناي فقط، بل روحي كلّها كانت تشتاقك.
وحين رأيتكِ، امتلأ صدري بالشوق حتى ارتوى، وشعرتُ أن الحياة عادت تسري في عينيّ وحمدتُ الله أنكِ بخير… وهذا وحده كان عزاءً يكفيني.
لم تلحظي وجودي.
لأنه حتى أنا تغّيرت.
حتى أنا.. لم أعد ذاك الذي عرفتِ، فقد نالت مني الأيام وغيرت ملامحي السنوات العجاف، وكسرت في داخلي أشياءً كثيرة.
لكنني، وبرغم هذا الاغترابِ عن نفسي وعنكِ، وجدتني أقفُ على مَسافةٍ من عالمكِ، مشدوهاً، لا تقوى قدماي على الرحيل ولا لساني على النداء.
كنتُ أقفُ هناك، أرنو إليكِ من قاصيةِ المدى، وكأنني جسدٌ بلا روح، أو روحٌ قد غادرت هيكلها لتستقر في محرابِ جمالك، تَمثّلَ في تلك اللحظة قولُ بدر عبدالمحسن حين قال:"جلست أناظرك ما رفّ لي جفنٍ تقل مسحور.. وأقول إن الجمال أنتِ وكل العشق بأسبابك".
لم أعد أملك من حُطام الدنيا سِوى هذه النظرة؛ نظرةٌ تختزلُ كلَّ المسافات، وتختصرُ كلَّ الكلمات.
وكم كان مشهداً عسيراً على الروح أن أراكِ بمرأى العين وأنا بعيد، والأشدُّ مرارةً أن ألزم مكاني فلا أخطو نحوكِ خطوةً واحدة، رغم أن ما يفصلني عنكِ لم يكن سِوى بضعِ خطوات.
لم يكن جموداً نابعاً من الجبنِ وحده، بل كان خوفاً من ذاتي، خشيتُ أن أفتح باباً كنتِ قد أوصدته بنفسكِ.
"إن وقعَ بصركِ على بصري، ورأيتُ في عينيكِ ذلك الارتباك المحبب، سأعلمُ حينها أن في قلبكِ شعورٌ باقٍ لي، وأنه لم ينطفئ تماماً تحت رماد السنين" هكذا كنت أفكر.
كان قلبي يقتاتُ على هذا الاحتمال الضئيل، فجعلتُ من تلك النظرة حكماً فاصلاً، فإن حدثت، فهي العودة، وإن لم تحدث، فهو درسٌ بليغٌ يخطّه القدرُ لي في كتاب الصبر، لأبقى في مكاني، مرابطاً عند حدود الانتظار، لا أجرؤ على التقدم خطوةً واحدةً حتى أرى منكِ "إشارةً خضراء" تمنح روحي المنهكة حق العبور إليكِ من جديد بما يرضي الله.
ولم يحدث.. مررتِ بجانبي كما يمرُّ العابرُ بالغريب، بلا التفاتةٍ ولا أثر.
ترددتُ في أثَركِ…
أأعود؟
أأقترب؟
ولكن أيُّ حديثٍ يُرتجى حين يصيرُ العارفانِ غريبين؟
فبعضُ الدفاترِ من رحمة الله أن تظلَّ مطوية، حتى وإن
كان كلُّ سطرٍ فيها لا يحملُ إلا اسمكِ.
رأيتكِ سعيدة، ممتلئةً بحياةٍ لا مكان لي فيها، وكان في ذلك المشهد "طمأنينةٌ جارحة"؛ سكنت لها نفسي لأنها تتمنى لكِ الخير، وتمزّق لها قلبي لأنه كان يتمنى أن يشاركه معكِ.
بتُ أفكر أنه سأكتفي بالاشتياقِ من بعيد، سأكملكِ طقساً يومياً في حياتي، يحضرُ بلا استئذان، يشتدُّ تارةً ويخبو تارة، لكنه أبداً.. لا يغيب.
واليوم لقد ناداكِ الحنينُ في أعماقي حتى استسلمت، وأقررتُ أنني قد ذُلِلتُ بكِ.
وكم شعرتُ بمهانةِ العجز وهي تنهشُ صدري عندما رأيتكِ ماثلةً أمامي، ولا أملكُ من الشجاعةِ ما يكفي لأخطفكِ من غيابةِ اللحظةِ وأستعيدكِ لي.
يتخبطني الندمُ الآن.
أتراي أندمُ لأنني خرجتُ في ذاك اليومِ؟
أم أندمُ لأنني رأيتكِ ويداي مغلولتانِ عن فعلِ أي شيء؟
أمقتُ السبب الذي جمعنا في صعيدٍ واحد، ثم تركني واقفاً بلا حيلة.
لكن.. ماذا كان بوسعِ مثلي أن يفعل؟
كانت نفسي الأمارةُ بالسوء تهمسُ لي عن أنه لما لم تذهب إليها؟، لما لم تقل لها إنني لم أكفّ يوماً عن الاشتياق؟، إنني ما نسيتكِ قط، أو انطق لكِ بكلمة أحبكِ العالقة في حنجرتي منذ أمد.
ولكن، أيُّ منطقٍ هذا الذي يدفعُ غريباً ليعترضَ طريقَ غريبةٍ لم يقل لها في أولِ لقاءٍ بعد الغياب إلا "أحبكِ"؟ يقيناً، كنتُ سأعودُ إلى منزلي مثقلاً بهزيمةٍ نكراء، وربما بصفعةٍ على وجهي توقظني من أوهامي.
لقد استبدَّ بي قلبي وعقلي في تلك اللحظة، وأذلّني الصراعُ بينهما حدَّ الانكسار.
ومع ذلك، وبرغمِ كل هذا الشتات، فإنني عزيتُ نفسي بحقيقةٍ واحدة، أنكِ سعيدة.
في سعادتكِ وجدَ قلبي ملاذاً أخيراً ليهدأ، ولو كان هذا الهدوءُ مشوباً بطعمِ الرماد.
لن أتركَها غصّةً في صدري بل سأسكبها هنا مداداً من نور ونار.
إنني أحبكِ حبّاً جمّاً، أحبكِ ولو كنتِ لا تدرين أنني ما زلتُ أقتاتُ على ذكراكِ لأبقى على قيد الحياة.
لقد كان كل جزءً مني هامد، ميت برتابة الأيام، ولا أبالغُ إن قلتُ إنني حين رأيتُكِ بُعثتُ من مرقدي حيّاً.
في تلك اللحظة، ارتدّت إليّ روحي الأولى، وعدتُ ذاك الغلام الذي رآكِ أول مرة، وكأن الزمان لم يدر دورته.
والآن، وقد بلغتُ من العمرِ ما بلغت، أدركتُ أن شعوري نحوكِ يملكُ من العمقِ ما يفوقُ خيالَ القصص، وأبعد من مديات البُعد التي تفصلنا، بل وأقوى من كبريائي الذي كبّلني ومنعني من الوصول إليكِ والفرصةُ سانحة.
ما زلتُ أرتقبُكِ، برغمِ كل محاولاتِ التجاوزِ والنسيان التي باءت بالفشل؛ سأبقى على عهد الانتظار، لأنّ جذوة الأمل في صدري قد اتقدت من جديد حين لمحتُكِ.
أحبكِ يا أملي الباقي في هذه الحياة، وأضرعُ لله ألا يذهبَ انتظاري هباءً، فأنتِ لا تليقُ بكِ الخسارات.
أخشى ما عليّ أن يأتي يومٌ أُجبرُ فيه على التخلي، ولكنني سأظلُّ أرجو أن أسمع منكِ يوماً كلمة "أحبك".
لو كان بوسعي أن أصدحَ بملءِ صوتي: "ما زلتُ أذكركِ"، لفعلت.. ولكنني أدري حدودي جيداً.
وحدودي هي أن أحبكِ من بعيد.. وأحترق.
_____
وقفتُ قريبًا… والمسافةُ خطوةٌ
وبين يديَّ العمرُ لو كنتُ أجرؤُ
رأيتُكِ، حتى ضجَّ قلبي هيبةً
كأنّي أمام الضوءِ طفلٌ يُبَهَّرُ
مددتُ خطايَ… ثم عُدتُ كأنّني
أسيرُ قيودًا من تردّدٍ يُسَمَّرُ
أهذا وقارُ العاقلِ المتجلّدِ؟
أم الخوفُ في ثوبِ التعقّلِ يُستَرُ؟
يا ليتني كنتُ الشجاعَ لمرّةٍ
فبعضُ الشجاعةِ بالقلوبِ تُؤجَرُ
ولكنّني آثرتُ صمتي واقفًا
وفي الصدرِ بركانُ اشتياقٍ يُفَجَّرُ
مررتِ… ولم تشعري أنّ رجلاً
على بُعدِ خُطوةِ عمرِه يتكسّرُ
فيا حسرةَ القلبِ الذي ظلّ واقفًا
يراكِ… ولا يدري كيف يتقدّمُ أو يُعذَرُ.


حبيت كلامك دخل قلبي، ماعرف كيف وصلتني هالمشاعر بس اسلوبك بالتعبير اكثر من رائع .. شيء مبهر للصراحة.
+ ربي يجبر بخاطرك وإن شاء الله يتحقق كل اللي تريده✨🦋..
يا الهي !!!
شعورك وصلني واخر سطران !! احببت حقا
احسست بالخذلان والامل والكسر والقهر والمواساة والكثير من الرجاء
مش طبيعي
اخر سطر أصاب الفؤاد فأدماه
اسلوبك جميل استمر ⭐