أثمّةَ أحدٌ سواي، في هذا الاتّساع الذي يُسمّونه أرضًا، يحملُ في صدره هذا الثِّقلَ ذاته؟
أثمّةَ قلبٌ آخرُ يختنقُ كما أختنق وتعلَقُ في حنجرتِه غصّةٌ كأنّها صرخةٌ مأسورةٌ تخشى الانفلات؟
غصّةٌ لا تُشبهُ البكاء، بل تُشبهُ انهيارَ مدينةٍ كاملةٍ في داخلي، مدينةٍ تتداعى حجارتُها في صمتٍ مروّع.
وكأنّي يا حبيبتي، لم أكتفِ بما في روحي من شقاء، فجلستُ أُصغي إلى أغنيتكِ المفضّلة، أستدعيكِ من غيابكِ كما يعودُ وجعٌ قديمٌ أعرفهُ جيّدًا ولا أملكُ ردَّه.
تخيّلتُكِ إلى جواري كما كنتِ…
بابتسامتكِ الهادئة، تلك التي كانت تهبطُ على القلبِ كطمأنينةٍ لا تستأذن، وببراءتكِ النقيّة التي لم تتعلّم القسوة بعد.
يا حبيبتي…
هذا القلبُ ما عاد يعرفُ للدمِ سبيلًا.
إنّه يضخُّكِ أنتِ.
يضخُّ حبّكِ…
ويضخُّ هذا الحزنَ الذي صارَ اسمي الآخر.
ولو أنّ لي منبرًا مشيَّدًا على ذُرى الجبال الشاهقات،
يطاولُ السحابَ ويُشرفُ على أقطارِ الأرض وما حوت،
لصرختُ في وجوهِ الخلق صرخةَ مبلِّغٍ لا يخشى لومةَ لائم.
محذِّرًا ومنذِرًا…
إيّاكم أن تُسلموا قلوبكم لفتنةِ الحبّ، فإنّه بابٌ إن فُتح، لم تُدرِ أيَّ ريحٍ تعصفُ بكم، ولا أيَّ وادٍ تُساقون إليه.
فالحبُّ يا حبيبتي لا يُنقذ، بل يُغرق.
ليس لأنّكِ خذلتِني…
بل لأنّ الحبَّ نفسهُ خذلني، حينَ دلّني على أعمقِ هاوية.
وكانت تلكَ الهاوية…
أنتِ.
حبيبتي…
إنّي لأزعم النسيان، غير أنّ هذا القلب لا يضخّ إلا بالحبّ، ولا يعرف سبيلاً غيركِ.
سأنتظركِ…
سأظلّ أنتظركِ ما امتدّ بي العمر، وأنا أعلمُ علمَ اليقين أنّ مجيئكِ ضربٌ من المستحيل، لكنّ ذلك لا يعنيني، ولا يثنيني.
سمّوني مجنونًا.
مجنونًا كقيسٍ بلا ليلى.
سمّوني مسكينًا.
كمسكينٍ يتيمٍ يتخيّل والدَيه من شدّة الحنين.
لو أنّ كلماتي تبلغكِ…
لو أنّ أشعاري تطالُ سمعكِ، لربّما عدتِ، لربّما التفتِّ إليّ مرّةً أخرى.
يقول عقلي…
انتهى الأمر.
ويقول قلبي…
ما زال في الأمل بقية.
يا قلبي، لقد غدت قصّتنا حكايةً تُروى، وأنا ذللتُ بها، ومع ذلك أطمع أن أعيش كلّ شعور، وأعذّب نفسي بكِ،
فلعلّي إلى هذا الحدّ فارغٌ منكسر.
لقد جُننتُ بكِ…
جعلتِني أذوقُ حالَ من عشقَ خيالًا، مع أنّكِ كنتِ حقيقةً تمشي على الأرض، لكنّي أكملتُكِ في داخلي خيالًا، وضربتُ بالواقع عرض الجدار.
أحيانًا أتخيّلكِ إلى جواري، أحدّثكِ بما فعلت، وأُلقي بين يديكِ أشعاري.
عقلي ومنطقي يأمرانني أن أنساكِ.
لكنّ قلبي…
وهو أوسعُ من عقلي، يقول لي ابقَ على حبّها، فالأمل لم يمت بعد.
أهناك أحدٌ غيركِ يفهمني؟
أهناك من يملك حنانكِ؟
قطعًا لا.
من ذا الذي يعوّض مكانكِ؟
إلى من ألوذ؟
منذ غيابكِ ما عدتُ أفتح قلبي لأحد .
ولم أجد راحةً إلا في المكان الذي كان يجمعني بكِ.
وما زلتُ أرتاده.
أذهب إليه وحيدًا…
لكنّي لستُ وحدي فيه، فوحشةُ المكان ترافقني.
كنتِ تقولين إنّكِ تحبّين الأماكن الخالية، وتذهبين إليها كي لا تهجر، وكي لا تصرخ من الوحدة.
لا تقلقي…
فمنذ فراقنا لم يشعر بالوحدة سواي، أمّا مكاننا فما خلا يومًا، أتردّد إليه أكثر ممّا تتردّدين أنتِ على أفكاري.
يا كلَّ الحب…
ما عدتُ أحمل لكِ عتابًا، بل امتلأتُ امتنانًا لأنّي عرفتكِ يومًا، وكنتِ سعادتي حينها.
لا أريد أن أتوقّف عن الكتابة إليكِ، وربّما لأنّي اعتدتُ ذلك.
لكنّي سأتعلم أن أكتب عني، عن ذكرى سعيدة، لا عن جرحٍ يوشك أن يلتئم.
لقد جُننتُ في آخر أيّامي.
لعلّي اعتدتُ غيابكِ، ولعلّ الأفضل أن يُغلق هذا الكتاب إلى الأبد.
سئمتُ…
سئمتُ الكتابة عنكِ، فكلّما كتبتُ ازداد جرحي عمقًا.
قصّتنا باتت معروفة، والناس يعجبون بما أكتب،
ويواسونني، لكنّي لا أريد مواساة، ولا دعاء، فأنا أعلم أنّ هذه القصة كُتِب لها أن تكون هكذا.
ربّما هذا درسٌ من دروس الحياة، وقد تعلّمته مرّتين بأقسى الطرق، ولن أكرّره، حفاظًا على ما تبقّى لي من قوّة، مع أنّي ضعيفٌ أمام كلّ ما يخصّكِ.
يا للسخف…
لم تعودي تزورينني في أحلامي، ولا في فكري، ولعلّي شُغلتُ في الأيام الأخيرة، حتى لم أجد وقتًا لأكتب لكِ،
مع أنّ الكتابة إليكِ كانت تبقيني حيًّا.
وما يبقيني الآن
إلا طيفكِ الذي كان يمرّ بي…
وقد انقطع.
ربّما هذه علامةٌ على أنّ كلّ شيءٍ آن له أن ينتهي.
وإلى هنا أتوقّف اليوم…
لقد سئمتُ، ولم يعد للكتابة معنى لمن لا يقرأ.
أحبّكِ…
وكم أتمنّى أن تكون هذه آخر رسائلي إليكِ، لأنّي لا أريد أن أخذل نفسي مرّةً أخرى.
آمل ألّا أشتاق إليكِ بعد الآن، وأن يندمل هذا الجرح، وأن أكمل ما تبقّى من حياتي بقلبٍ راضٍ.
لكن قبل ذلك دعيني أودّعكِ وأقول لكِ…
إنّي أحبّكِ كثيرًا، إلى حدّ العشق والهيام.
أحبّكِ…
أحبّكِ للمرة الأخيرة.
سلامٌ عليكِ أينما كنتِ.


من تعلّق بغير الله، عُذّب به.
أَوَلَنْ تَرْأَفَ بِحَالِكَ؟