يقول "أكلُّ رياح هذه الأرض ضدّ جناح عصفور ؟! " وتوقّف عند هذا السؤال كأنّه لم يحتمل الإجابة.
أما أنا… فلم أستطع التوقّف.
فقلتُ إذًا، أكلُّ هذا الغيابِ، وكلُّ هذا الصمتِ، وكلُّ هذا البُعدِ القاسي، اجتمع ضدّ قلبٍ أحبّكِ بصدق؟
أيعقل أن يكون الحبّ، حين يكون نقيًّا إلى هذا الحدّ أضعف من أن يقاوم الرحيل؟
كنتُ قلبًا عاريًا أمامكِ لا درع لي سوى الصدق، ولا جناح لي سوى الإخلاص فهل كان ذلك كافيًا ليُهزم أمام رياح الغياب؟
إن كان هذا الغياب امتحانًا فقد خسرتُه لأنني لم أعرف كيف أحبّكِ بأقلّ مما أحببت.
وإن كان قدرًا، فأيّ قَدَرٍ هذا الذي يثقل على قلبٍ لم يرتكب ذنبًا سوى أنّه أحبّ؟
كلّ ما فيّ كان يتّجه إليكِ، وكلّ ما حولي كان يدفعني بعيدًا.
وما بين اندفاع القلب وعنف الواقع، سقطتُ… لا لأنني ضعيف بل لأنني كنتُ صادقًا أكثر مما ينبغي.
يا شغلي ومُشغِلَني، يا من شغلتِ عليَّ العقلَ حتى أضنيتِه، وسلبتِ الفكرَ حتى غدا تائهاً في متاهاتك… كيف لي أن أتوب عنكِ؟
كيف يُقلِع القلبُ عمّن استوطنه، وكيف يهدأ العقلُ وقد جعلتِ منه مسكناً لذكراك؟
يُضايقني…
بل يؤلمني حدَّ الإعياء أنني أحاول نسيانك، لا لأنني أريد ذلك، بل لأن الألم أثقل صدري حتى كدت أختنق به.
أحاول أن أطردكِ من ذاكرتي كما يُطرَد طيفٌ عابر، غير أن طيفكِ لا يبرح، بل يعود كل مرةٍ أكثر وضوحاً كأن الذكرى تأبى الرحيل.
كيف أتوب عن تعلّقي بكِ؟
كيف أوقف هذه الدوّامة التي تدور في رأسي كلما خطر اسمكِ في خاطري؟
إن الفكر كلما حاول الفرار منكِ عاد إليكِ خاضعاً كأنكِ قدره الذي لا مهرب منه.
وأخشى يا للأسف أنكِ لستِ بالوفاء كما ظننت.
كنتِ تبتسمين بسخريةٍ كلما مرَّ ذكرُ أولئك الذين يحبون على أي حال، الذين يهبون قلوبهم كاملةً بلا حساب.
ولم تكوني تعلمين أنني واحدٌ منهم…
من أولئك الذين إذا أحبّوا، أحبّوا بصدقٍ لا يعرف المساومة.
غباءٌ مني…
نعم، غباءٌ صريح.
غباءٌ أن أُصِرَّ على التعلّق بشيءٍ أعلم يقيناً أنه ليس لي.
غباءٌ أن أعرف أنكِ مضيتِ في حياتكِ، أكملتِها دوني، دون أن يمرّ اسمي في بالك حتى، بينما ما زلتُ أنا…
مُصِرّاً على تذكّرك، كأن الذكرى آخر ما بقي لي منكِ.
أتذكرين قبل سنوات عديدةٍ القطة التي اعتدتُ تصويرها لكِ؟
لقد كبرت كثيراً منذ ذلك الحين، وغدت أكثر أُلفةً معي.
أتذكرين حين كنتُ أصوّرها وهي تعضّ يدي وأصبعي؟
كانت يومها لا تُطيقني…
أما مع مرور الوقت والسنين فقد صارت تحبّني كأنها عوّضتني عن حبٍّ فقدتُه منكِ.
كنتِ تضحكين منها وكنتِ تنسين اسمها دوماً فأظلّ أذكّركِ به.
والمفارقة أن اسمها…
لم أكن أنا من اختاره، كنتِ أنتِ من سمّيتها ومع ذلك كنتِ تنسين.
ربما لأنني لم أكن مهماً في حياتكِ بما يكفي لتبقى تفاصيل صغيرة كهذه في ذاكرتك.
وأنا أعلم أنني كنتُ مهماً…في وقتٍ من الأوقات.
في وقت بعيد لم يعد موجوداً.
بعيد.
بعيد.
ليس قريباً البتةَ.
لكن ليس بعد الآن.
لقد صرتُ أقرف من هذه القصة…أقرف من نفسي أكثر مما أقرف منها لأنني ما زلتُ أراقبكِ من بعيد كالمجنون.
لكن المجنون لو أنصفناه لا يفعل ما أفعل.
المجنون لا يذهب إلى الأماكن التي اعتدتِ ارتيادها والتي مازلتِ ترتادينها.
لا يطلب القهوة ذاتها التي تحبين شربها الآن ومن قبل.
لا يجلس في الزاوية ذاتها، يراقبكِ بصمتٍ بينما أنتِ لا تعلمين حتى بوجوده.
فربما… لستُ مجنوناً.
ربما أنا مختلّ.
أو لعلني مجرد كائنٍ غريب، تجسيدٌ لوحشٍ هزمه الحنين، يتجوّل فوق هذه الأرض مثقلاً بذكراك، يحمل قلبه كجرحٍ مفتوح ويبحث عبثاً عن خلاصٍ من حبٍّ لم يكن له منذ البداية.
لكن الغريب والأشد إيلاماً أنني منذ وقتٍ ليس ببعيد اكتسبتُ فوبيا من القطط.
نعم… أخاف منها الآن.
ليس لأنها تؤذيني وليس لأنني جبان بل لأنني فقدتُ تلك القطة.
فقدتُها كما فقدتُكِ.
سبعة أيام.. سبعةُ دهورٍ من الوقوف على عتباتِ العدم حيثُ يقتاتُ الانتظار على ما تبقى من عافيتي.
خرجتُ في الليلة السابعة، أبحث عنها أخيراً.
تجمّد العالم في حنجرتي وغارت السماء في عينيّ وأنا أرى الفراء الأبيض الذي طالما داعبته وقد استحال خرقةً بالية غارقة في وحلٍ قرمزيّ داكن.
لم يكتفِ الموت بأخذها بل قرر تشويه قدسية ذكراي عنها.
كان جسدها الصغير مبعثراً كأنه نتاج طقسٍ وثنيّ مرعب.
بطنها مفتوحٌ في هوةٍ سحيقة وعليها أثار عضة لأنيابٍ لا تعرف الرحمة، أو ربما نصلٍ بشريّ أكثر حديّة وقسوة.
كانت أحشاؤها، التي كانت يوماً جزءاً من كائنٍ يخرخر بسلام على صدري، ممددةً على الأسفلت البارد.
ما كسرني حقاً، وما جعل القشعريرة تحفر أخاديد في عظامي، لم يكن المنظر فحسب.. بل كانت عينها.
عينٌ واحدة كانت لا تزال معلقة في محجرها، تحدق في الفراغ بجمودٍ مرعب، وكأنها في لحظتها الأخيرة رأت الجحيم عياناً وشاهدت وجه قاتلها.
لم تكن نظرة عتاب، بل كانت نظرة عدم مطلق، سخطٌ أزليّ يخبرني أن هذا العالم ليس سوى مسلخٍ كبير.
مددتُ يدي المرتجفة، أردتُ لمسها للمرة الأخيرة، لكنني تراجعتُ مقززاً من نفسي ومن الوجود.
كان جسدها قد تيبس بوضعيةٍ توحي بصراخٍ صامت، أطرافها المكسورة ملوية بزوايا غير طبيعية، كأنها كانت تحاول التشبث بالهواء قبل أن تُسحق.
وقفتُ أمام تلك الأشلاء التي كانت يوماً اسمها ( كاندي ) وشعرتُ بجدران الوجود تتهاوى فوق رأسي.
لم تكن الصدمة صاعقة فحسب بل كانت سمّاً يسري في عروقي.
حاولتُ أن أستجمع شتاتي، أن أنطق اسمها، لكنّ حنجرتي كانت قد أُوصدت بقفلٍ من حديد.
في تلك اللحظة، شعرتُ بانقباضٍ وحشيّ في أحشائي، كأنّ أمعائي قررت هي الأخرى أن تنتحر احتجاجاً على ما رأت.
بدأ صدري يعلو ويهبط في نوباتِ نهيجٍ مسعور لم أكن قد ذقتُ طعماً للأكل منذ يومين، كان بطني خاوياً كخواء قلبي.
لم يكن تقيؤاً عادياً بل كان محاولةً يائسة من جسدي لطرد هذا المشهد المرعب من ذاكرتي عبر فمي.
انحنيتُ على ركبتيَّ بجانب تلك الجثة المشوهة، واعتصرتني تشنجاتٌ مؤلمة.
خرجت من جوفي صرخةٌ مكتومة استُبدلت بزفيرٍ حارق.
انقبضت معدتي الفارغة بعنفٍ جعلني أشعر بنصلٍ يغرس في أحشائي، ثم بدأتُ أتقيأ.. لم يخرج طعام، بل عصاراتٌ صفراء مُرّة كعلقم الأيام، سائلٌ لزج يمتزج بلعابي المالح، كأنني أستفرغ مرارة روحي وكل السواد الذي ابتلعته طوال أسبوع الانتظار.
كنتُ ألهث، واللعاب يسيل من فمي المرتجف وعيناي غارقتان في دموعٍ لا تحرق الجفون بل تحرق الوجدان.
كل خضة في جسدي كانت تمزق ما تبقى من تماسكِ أعصابي.
استفرغتُ حتى لم يعد في جوفي سوى الهواء، ومع ذلك استمرت معدتي في الانقباض بجنون، كأنها تريد اقتلاع جدرانها والتخلص منها.
رفعتُ رأسي والسماء فوقي كانت داكنة، صماء، لا تبالي بصراخِ أمعائي ولا بتمزقِ فؤادي.
نظرتُ إلى كاندي مرة أخرى من خلف غشاوة الدموع والقيء، وبدا لي أن العالم كله قد استحال إلى هذا الزقاق الضيق، مكانٌ لا يوجد فيه سوى القذارة، والدم، وفراغٌ لا يمتلئ أبداً.
لقد تقيأتُ كل شيء…
تقيأتُ الأمل، وتقيأتُ الذكريات الجميلة، ولم يبقَ في جوفي سوى فجوةٍ سحيقة تسكنها الوحشة.
وصورة تلك العين الواحدة التي ستظل تطاردني في كل حلم، وفي كل يقظة، كوصمةِ عارٍ على جبين هذا الوجود اللعين.
ومنذ ذلك الحين تسلّل إليّ شعورٌ غريب كأن الأشياء التي أحبّها مصيرها أن تختفي وكأن كل ما أمدّ إليه يدي وأتعلّق به… يبتعد عني في النهاية.
حتى صرتُ أتساءل أحياناً..
أَيعاقَب القلب لأنه أحبّ بصدق؟
ربما…
ربما لم يُقدَّر لي أن أعلّق قلبي بشيءٍ في هذه الحياة.
لا حبّاً، ولا ذكرى، ولا حتى قطةً صغيرة كانت تملأ صمتي.
ربما كُتب عليَّ أن أعيش خفيف القلب لا لأنني تعلّمت الزهد بل لأن التعلّق…لم يكن يوماً آمناً لسلامتي.
وفي كل مرةٍ كنتُ أرى قطةً تمرّ قرب قدمي، كانت معدتي تنقبض كما لو أن الإسفلت سيعيد لي ذلك المشهد مرةً أخرى، ذلك الجسدٌ صغير المسحوق، وذكرى تلك العينٌ الجامدة التي تحدّق في الفراغ، والصمت… ذلك الصمت المقرف الذي يلي الموت مباشرة.
ومنذ ذلك اليوم بدأت أفهم شيئاً لم أفهمه من قبل.
ليس كل ما نحبّه يُكتب له أن يعيش.
بعض الأشياء تُمنح لنا فقط كي نرى كيف تموت.
غير أنّ شيئاً ما قد استيقظ في داخلي أخيراً…
شيئاً يشبه عِزّةً كنتُ قد أهملتها طويلاً، كأنها نهضت من سباتها بعد أن ملت رؤية قلبي يُستنزف في قصةٍ لا تساوي كل هذا النزيف.
لقد أدركتُ متأخراً أن الكرامة لا تجتمع طويلاً مع التعلّق الأعمى، وأن القلب مهما أحب لا ينبغي له أن يتنازل عن وقاره حتى وهو ينكسر.
وأدركتُ أيضاً أن الإنسان لا يُقاس بصدق مشاعره فحسب بل بقدرته على الانسحاب حين يدرك أن بقاءه لم يعد يليق به.
ولهذا… سأترفع.
سأترفع عن مراقبتك من بعيد، وعن اجترار الذكريات، وعن هذا الحوار الطويل الذي كنتُ أخوضه مع طيفك كل ليلة.
سأتغير.
ليس لأنكِ رحلتِ فحسب بل لأنني تعبت من أن أكون الرجل الذي يمدّ قلبه لكل ما يخذله.
وما أهون هذه القصة الآن حين أنظر إليها بعينٍ أكثر صفاءً.
كم يبدو تافهاً أن يقضي المرء عمره أسير حكايةٍ كهذه…
حكاية ربما لو رُويت يوماً، لما استحقت أكثر من أن تُحكى لطفلٍ قبل النوم، ليبتسم لها قليلاً ثم ينساها مع أول صباح.
أما أنا…
فقد كبرتُ على أن أبقى بطلها الحزين.
وفي ليلةٍ متأخرة، عدتُ إلى ذلك الاقتباس الذي قرأته يوماً “أكلُّ رياح هذه الأرض ضدّ جناح عصفور؟”
ظللتُ أحدق في السؤال طويلاً.
وفجأة أدركت شيئاً مرعباً.
ربما… نعم.
ربما كل رياح هذه الأرض بالفعل ضدّ جناح عصفور.
ضدّ قلبٍ أحبّ أكثر مما ينبغي.
ضدّ قطةٍ صغيرة لم تفعل شيئاً سوى أنها كانت حيّة في عالمٍ لا يحتمل الحياة.
كاندي لم تمت لأنها ضعيفة.
العصفور لا يسقط لأنه أخطأ الطيران.
بل لأن العالم نفسه…
أثقل من أن يسمح للأشياء الرقيقة بالبقاء.
وقفتُ أمام النافذة الليلة.
كان الهواء بارداً والشارع فارغاً كقبرٍ مفتوح.
وللمرة الأولى منذ زمنٍ طويل لم أفكر فيكِ.
لم أعد أذهب إلى المقهى الذي تحبينه، لم أبحث عن ظلّك بين الوجوه، لم أفتح تلك الأبواب القديمة في رأسي.
لأنني فهمت أخيراً.
ما حدث لكاندي… هو نفسه ما حدث لقلبي.
شيءٌ صغير حاول أن يعيش فمرّت فوقه عجلات العالم بلا اكتراث.
ومنذ هذه الليلة…
لن أعد مختلاً أطاردكِ في الطرقات ولن أعود لأبحث عنكِ في الوجوه ولن أعد أؤمن بالحب كما كنت.
لأنني حين أنظر إلى العالم الآن
أراه كما رأته عين كاندي الأخيرة…
مسلخاً واسعاً، تدور فيه الرياح بلا رحمة، وتسقط فيه العصافير واحدةً…تلو الأخرى.
وأنا أيضاً كنتُ واحداً منها.


وصفك للمشاعر كان عميقًا مُذهل لدرجة أنني بكيت، أسأل الله أن يرزقك السلام والهدوء في قلبك وحياتك، فليس لك بعد الله أحد
مرَّ زمنٌ طويلٌ منذ قرأتُ كلماتٍ تجعلني أنسابُ إليها بخفّةِ المشاعر، وكأنّي أنبشُ عن كلِّ معنى خلفها، وأتوهُ بين الأوصافِ أيُّها قادرٌ على انتشالي من شعورٍ تكتبه.
أحببتُ أحرفَ مشاعرك الصادقة في عالمٍ لا يعرف للحبرِ سوى الخذلان، وسعدتُ بترفّعك ونضجك؛ وليس ذاك إلا نضجًا تُنقذ به نفسكَ من النسيان.
سأظلّ دومًا أنتظر كلماتك.